فوائد ولطائف


فضل العلم

 قال الشافعي: مَنْ تعلمَ الْقُرْآنَ عظُمتْ قِيمَتهُ، وَمَنْ تعلمَ الْفِقهَ نَبُلَ مِقدارُهُ، وَمَنْ كَتبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ تَعلمَ الْحسابَ جزَلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ تعلَّمَ العرَبِيةَ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عَملُه [المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص: 324)].

وقال بعضهم:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله

 

وأجسامهم قبل القبور قبور

وإن امـرءا لم يَحيَ بالـعلم مـيت

 

وليس له حتى النشور نشور


فضل العالم على العابد

قال  الإمام الزهري (ت124ﻫ): العالم إذا لم يُخِلَّ بواجب ولم يُقصر في فرض، أفضل من العابد.


قراءة القرآن أم النظر في العلم، أيهما أفضل؟

 سئل عز الدين ابن عبد السلام (ت660ﻫ): أقراءة القرآن أفضل أم النظر في العلم؟

   فأجاب: معرفة الأحكام الشرعية أفضل؛ لعموم الحاجة إليها في الفتاوى، والأقضية. ومصلحة القراءة مقصورة على القارئ، وما عمت مصلحته، ومست الحاجة إليه، أفضل مما مصلحته مقصورة على فاعله. [عقد نفائس اللئال (ص:63-64)].


أوراد العلماء تختلف عن غيرهم

   قال الطيب ابن كيران (ت1172ﻫ): لا يطلب ممن اشتغل بالعلم إفادة واستفادة؛ مثل ما يطلب من غيره من أورادِ أذكارٍ وأعمال، بل إنما يحسُن في حقه بعد الفرض ما لا يشغله عما هو بصدده. فإن القيام بالفرض الكفائي أو العيني أفضل من فعل المندوبات بلا شك، لاسيما حين غرب العلم وقل أهله.

   وكاد الناس يختلفون في الضروريات، فلا خفاء أن تعلمه وتعليمه، والسعي في بقائه، وحفظه بوجه من الوجوه، من أهم المهمات وأعظم القربات، قال في الإحياء: أما العالم الذي ينتفع الناس بعلمه في فتوى أو تدريس أو تصنيف؛ فترتيب أوراده يخالف أوراد العابدين، فإنه يحتاج إلى المطالعة والإفادة، فإن أمكنه استغراق الأوقات في ذلك، فهو أفضل ما يشتغل به بعد المكتوبات ورواتبها.



احترام العلماء

قال ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ):

لا تحتقر عالما وإن صغرت

 

حالته في لحاظ رامقه

وانظر إليه بعين ذي خطر  

 

مهذب الرأيفي طرائقـه

فالمسك بينا تراه ممـتهنا

 

بفهر عطاره وساحقـه

حتى تراه بعارضـي ملك

 

أو موضع التاج من مفارقــه 


عندما تنحرف أهداف الطلب

درسوا العلم ليملكوا بجدالهم

 

فيها صدور مراتب ومجالس

وتزهدوا حتى أصابوا فرصة

 

لأكل مال مساجد وكنائس


الكتب النافعة أجل جليس وأكرم أنيس:

وقال القاضي عبد الوهاب (ت422ﻫ):

سأجعل فضل ثوبي في كتابي

 

وألتزم التقشف في ثيابي

لعمري إن درسا في كتابي

 

ألذ من المطاعم والشراب 

ومن فرش الحرير ولبس خز

 

وأشهى من ملاعبة الكعاب

ومن زهر الرياض إذا تناهـــى

 

وسال عليه تسكاب السحاب


العلم الذي يجب نشره بين العامة والذي لا يجب نشره

   قال الله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ [النساء: 83].

   قال الطيب ابن كيران: في هذه الآية إشارة إلى أن من العلم ما لا يبذل مطلقا، ومنه ما يجب بذله مطلقا، كالأحكام التكليفية المتعلقة بالعقائد، والعبادات، والمعاملات، وعليه يتنزل نحو قوله تعالى: ﴿إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ [البقرة: 159]، وحديث: من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار.



من العلم ما يبذل لأهله دون غيرهم

   قال ابن عطاء الله السكندري (ت709ﻫ): «من رأيته مجيبا عن كل ما سُئل، ومعبرا عن كل ما شهد، وذاكرا لكل ما عَلم فاستدل بذلك على وجود جهله».

   والواو فيه بمعنى أو، فكل من الثلاثة دليل الجهل؛ إذ الجواب عن كل سؤال يتضمن دعوى الإحاطة في العلم، وليست إلا لعلام الغيوب ﴿وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا﴾. [الإسراء: 85].

وقال بعضهم:

قل لمن يدعي في العلم منزلة   

 

علمت شيئا وغابت عنك أشياء


العالم ليس هو من يجيب عن كل شيء

قال الشيخ أبو علي اليوسي (ت1102ﻫ) :

   وليس يُزيل اسمَ العلم عن العالم تقصيرُه في الجواب عن مسألة سُئل عنها، أو أكثر، ولا جهله لذلك رأساً.

   فما مثال العالم، إلا مثال التاجر في البز، أو العبيد، أو الخيل، أو نحو ذلك، فلا محالة قد تُطلب عنده حاجةٌ موصوفة أو أكثر، فلا توجد عنده، ولا يخرجه ذلك عن سماط التجار.



جواب العالم بلا أدري لا يُنقص من علمه

الإمام مالك (ت179ﻫ) عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع، وقال في الباقي: لا أدري؟! ولم يقل أهل زمانه: إن العلم قد اندثر. 

وجاء رجل مرة من بعض الآفاق إلى الإمام مالك، سائلا عن شيء، فقال له: لا أدري.

فقال: إني أتيت من بلد بعيد، فبأي شيء أرجع إلى أهلي؟!

فقال: إذا رجعت إلى أهلك، فقل: إن مالكا لم يعرفها.

   وقال ذلك أيضا مرة أخرى، فقام إليه ابنه – وكان قد صنف شيئا من العلم – فقال: كيف تقول لا أدري؟! كأنه يستحي من قولها. فأقام رضي الله عنه مناديا يُعلم الناس: ألا يُتّبع ابنه، ولا يُعمل بكتبه، وكان يقول هو وغيره: جُنة العالم: لا أدري، فمتى أخطأها أُصيبت مقاتِلُه


من السائلين من لا يستحق جوابا

 قيل للجنيد 298ﻫ): ما بال الرجلين يسألانك عن مسألة، فتجيب أحدهما دون الآخر؟

فقال: على قدر السائل يكون الجواب.

وفي هذا المعنى قال علي رضي الله عنه (ت40ﻫ) : حدثِ الناسَ بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.

وقال ابن مسعود (ت32ﻫ): ما أنت بمحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهُم إلا كان لبعضهم فتنة.

   وقال أبو علي اليوسي:

    في الآثار: لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

اقرأ أيضا

الصلة بين العلم والعمل والدعوة إلى الله:

    قال الدبوسي  (ت430ﻫ): «فأقصى مراتب العبد في الدعوى إلى الله تعالى، فإنها رتبة الأنبياء عليهم السلام، وتركوها ميراثا للعلماء .. وأما العبادة فحق لله تعالى على عبده، والعبد مؤد عن نفسه ما عليها، فلن يصير العبد عاملا  لله حتى يدعو، قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) .. قال تعالى: (وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) فأبان الله شرف الرسول بالدعوة والهداية، دون العزلة والعبادة .. فالخلافة بالولاية من أقصى المراتب، وإنها تقوى بالنبوة، وتزداد قوة بالرسالة، وتضعف بالاستنباط والدلالة، وتزداد ضعفا بالقنوع بظواهر المسموع .. نفع العبادة خاص، ونفع الدعوة عام

ما قيل في من ينهى الناس عن خلق ويأتي مثله

في شروط الخلاص

قال يحيى ابن معين:

المال يذهب حله وحرامه  

 

طُرّا ويبقى في غد آثامــــه

 

ليس التقي بمتق لإلاهه

 

حتى يطيب طعامه وشرابــــه

 

ويطيب ما يحوي ويكسب كفه

 

ويكون في حسن الحديث كلامـه

نطق النبي لنا عن ربه

 

فعلى النبي صلاته وسلامــه

حكايات العلماء

قال الإمام أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء أحب إلي من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم. [أزهار الرياض 1/21].

    قال الجنيد: الحكايات جند من جنود الله ، يقوي بها الله أبدان المريدين. [أزهار الرياض 1/21].

النقص لازم للبشر

قال المزني: "قرأت كتاب الرسالة على الشافعي، ثمانين مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطإ.

   فقال الشافعي: هيه، أبى الله أن يكون كتابا صحيحا غير كتابه.

تجرى على الإنسان أحوال ثمانية

ثمانية تجري على المرء دائما *** وكل امرئ لابد يلقى الثمانيه

سرور وحزن واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر ثم سقم وعافيه

العلم وسيلة والعمل هو المقصد

   وقال الطيب ابن كيران: العلم والعمل وإن اشتركا في أنهما جهاد في سبيل الله، ووُعِد عليهما بالأجر العظيم، افترقا في أن العلم وسيلة، والعمل به مقصد، فمن ضيع المقصد فقد أخل بحكمة الوسيلة، كما قيل:

العلم لا يصلح إلا إذا

 

عملت فلتفهم كلام العُبَيْد

لو كان بالعلم صلاح الفتى

 

لكان إبليس نظير الجنيد

وبالعمل يرسخ العلم ويدوم، كما قيل: العلم يهتف بالعمل فإن وجده وإلا ارتحل.

وبه يحصل مع علم الأوراق علم الأذواق، وتنضم إلى العلوم الكسبية علوم وهبية لدنية، كما قال تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [سورة البقرة: 282]. وقال تعالى: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ [سورة الأنفال: 29]. أي نورا تفرقون فيه بين الحق والباطل، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [سورة العنكبوت: 69].

وفي الحديث: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» رواه أحمد.